جلسـة 19 من فبراير سنة 2012
الطعـنان رقـما 3793 و 4055 لسنـة 49 القضائية (عليا)
(الدائرة السابعة)
– تأديب– المسئولية التأديبية– مناط قيام المسئولية التأديبية هو أن يسند للعامل على سبيل اليقين فعل إيجابي أو سلبي، يعد مساهمة منه في وقوع المخالفة الإدارية– انتفاء المأخذ الإداري على سلوك العامل يستوجب براءته، فيصبح القرار الصادر بمجازاته في هذه الحالة فاقدا للسبب المبرر له قانونا.
– تأديب- واجبات الوظيفة- واجبا الحفاظ على كرامة الوظيفة، وتخصيص وقت العمل الرسمي لأداء الواجبات الوظيفية- يجب على الموظف أن يخصص وقت العمل الرسمي لأداء واجبات وظيفته، وأن يحافظ على كرامة الوظيفة طبقاً للعرف العام، وأن يسلك في تصرفاته مسلكا يتفق والاحترام الواجب- لا يسوغ للموظف أثناء ممارسة عمله أن يترك أداء واجباته الوظيفية إلى التشاحن والتنابذ مع أحد زملائه، أو الاعتداء عليه بالضرب والسب- إذا ثبت ذلك في حق الموظف يكون مرتكبا مخالفة إدارية يحق معها مجازاته تأديبيا.
– تأديب– واجبات الوظيفة– واجب الانتظام في العمل- الإضراب عن العمل حق مشروع طبقا للاتفاقية الدولية التي وقعت عليها مصر وتم التصديق عليها– يجب أن يمارس هذا الحق على وفق الشروط والضوابط التي تضعها السلطة المختصة- مادامت السلطات العامة متقاعسة عن تنظيم ممارسة هذا الحق، فإنه يظل مباحا تحت رقابة القضاء- ما لم يثبت أن إضراب العامل قد أضر بجهة عمله، فإنه لا يشكل ذنبا إداريا، ولا يسأل عنه العامل تأديبيا([1]).
– أحكام الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
– قرار رئيس الجمهورية رقم 537 لسنة 1981 بالموافقة على الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
بتاريخ 29/1/2003 أودع الحاضر عن الطاعن بصفته قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن قيد برقم 3793 لسنة 49ق.عليا في الحكم الصادر عن المحكمة التأديبية بطنطا في الطعن رقم 819 لسنة 30ق بجلسة 14/12/2002، الذي قضى بإلغاء القرار المطعون فيه رقم 21 لسنة 2002 فيما تضمنه من مجازاة الطاعنة بخصم شهر من راتبها، ومجازاتها بخصم عشرة أيام من راتبها، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وطلب الطاعن بصفته في ختام تقرير الطعن وللأسباب الواردة به الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا برفض الطعن رقم 819 لسنة 30ق، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وبتاريخ 5/2/2003 أودع الحاضر عن الطاعنة قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن قيد برقم 4055 لسنة 49ق عليا عن الحكم نفسه.
وطلبت الطاعنة في ختام تقرير الطعن وللأسباب الواردة به الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من مجازاتها بخصم عشرة أيام من راتبها، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني في الطعنين ارتأت فيه الحكم بقبول الطعنين شكلا ورفضهما موضوعا.
وتدوول الطعنان بجلسات المرافعة أمام دائرة الفحص وذلك على النحو المبين بمحاضر الجلسات حيث قررت إحالتهما إلى دائرة الموضوع، وتدوول الطعنان بجلسات المرافعة أمام دائرة الموضوع، وبجلسة 11/12/2011 قررت المحكمة ضم الطعن رقم 4055 لسنة 49ق.عليا إلى الطعن رقم 3793 لسنة 49ق.عليا للارتباط وليصدر فيهما حكم واحد بجلسة اليوم مع التصريح بمذكرات في أسبوعين، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة.
وحيث إن الطاعنين يطلبان الحكم بالطلبات المحددة سلفا.
وحيث إن الطعنين قد استوفيا جميع أوضاعهما الشكلية المقررة قانونا.
وحيث إن عناصر الموضوع تخلص حسبما يبين من الأوراق في أن/… أقامت الطعن رقم 819 لسنة 30ق أمام المحكمة التأديبية بطنطا بتاريخ 17/8/2002، طالبة الحكم بإلغاء القرار رقم 21 لسنة 2002 فيما تضمنه من مجازاتها بخصم شهر من راتبها، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وقالت المذكورة شرحا لذلك إنها تعمل بمكتب بيلا ثان للتأمينات الاجتماعية التابع لمنطقة كفر الشيخ، وبتاريخ 19/5/2002 أخطرت بالقرار رقم 21 لسنة 2002 المتضمن مجازاتها بخصم شهر من راتبها، تأسيسا على أنها اعتَدَتَ بالسب والقذف على رئيسها في العمل وشرعت في ضربه أمام العاملين بالمكتب أثناء الانصراف من العمل على السلم بتاريخ 17/9/2001، وأنها قامت بالإضراب عن العمل بسبب نقلها إلى مكتب تأمينات كفر الشيخ، ونعت الطاعنة على القرار المذكور مخالفته للواقع والقانون.
……………………………..
وبجلسة 14/12/2002 قضت المحكمة بإلغاء القرار رقم 21 لسنة 2002 فيما تضمنه من مجازاة الطاعنة بخصم شهر من راتبها، ومجازاتها بخصم عشرة أيام من راتبها، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وشيدت المحكمة قضاءها المذكور على أساس أن قرار مجازاتها بخصم شهر من راتبها صدر استناداً إلى ارتكابها لمخالفتين هما: 1- قيامها بالتعدي بالسب والقذف والإهانة على/… بمكتب تأمينات بيلا ثان. 2- قيامها بالإضراب عن العمل بسبب نقلها إلى مكتب تأمينات كفر الشيخ.
ولم تثبت من الأوراق في حق الطاعنة سوى المخالفة الأولى، وهي غير كافية لحمل القرار المطعون فيه على سببه، وأنه يتعين تقدير الجزاء بما يتفق صدقا وعدلا مع ما يثبت في حقها من مخالفة، وهو ما قدرته المحكمة بخصم عشرة أيام من راتبها.
……………………………..
– ولم ترتض الهيئة الطاعنة في الطعن رقم 3793 لسنة 49ق.عليا هذا الحكم، تأسيسا على أنه قد خالف القانون على سند من أن حق الإضراب وإن أصبح مباحا للموظف المصري منذ 8/4/1982، إلا أنه ليس حقا مطلقا للموظف وإنما يمارسه على وفق القيود التي تضعها السلطة العامة، وأن المطعون ضدها تقدمت بمذكرة بواقعة التعدي عليها بتاريخ 18/9/2001 من السيد/… وقامت الهيئة بالتحقيق في هذه الواقعة، ومن ثم لم تكن هناك حاجة للإضراب للضغط على جهة الإدارة بالتحقيق في الواقعة، وأن نقلها إلى مكتب تأمينات كفر الشيخ قد تم لمصلحة العمل، ومن ثم فإن قيامها بالإضراب يشكل في حقها ذنبا إداريا.
– كما لم ترتض الطاعنة في الطعن رقم 4055 لسنة 49ق.عليا الحكم المشار إليه تأسيسا على أنه خالف صحيح حكم القانون، حيث إن الثابت من الأوراق والتحقيق أنها لم ترتكب أية مخالفة، بل وقع عليها اعتداء بالضرب والقول من رئيسها في العمل، ومن ثم فإن الجزاء الوارد في الحكم لا مبرر له.
……………………………..
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن مناط المسئولية التأديبية هو أن يسند للعامل على سبيل اليقين فعل إيجابي أو سلبي يعد مساهمة منه في وقوع المخالفة الإدارية، وإذا انتفى المأخذ الإداري على سلوك العامل واستبان أنه لم يقع منه ما يشكل مخالفة تستوجب المؤاخذة والعقاب وجب القضاء ببراءته، ويصبح القرار الصادر بمجازاته في هذه الحالة فاقدا للسبب المبرر له قانونا.
كما جرى قضاؤها على أنه يجب على العامل أن يخصص وقت العمل الرسمي لأداء واجبات وظيفته، وأن يحافظ على كرامة هذه الوظيفة طبقا للعرف العام، وأن يسلك في تصرفاته مسلكا يتفق والاحترام الواجب، ولا يسوغ للعامل أثناء ممارسة عمله أن يترك أداء واجباته الوظيفية إلى التشاحن والتنابذ مع أحد زملائه أو الاعتداء عليه بالضرب والسب، فإنه فضلا عما في هذا الاعتداء من جريمة جنائية فإنه يشكل إخلالا من العامل بكرامة وظيفته وخروجا على مقتضياتها وانحدارا بمسلكه إلى ما لا يتفق والاحترام الواجب، وهو ما يكون معه هذا العامل قد ارتكب ذنبا إداريا يحق معه مجازاته عنه تأديبيا بما يرده إلى جادة الصواب وإلى احترام كرامة وظيفته.
وحيث إن الثابت من الأوراق والاطلاع على التحقيقات التي تمت بمعرفة النيابة الإدارية ببيلا في القضية رقم 33 لسنة 2001 بشأن واقعة تبادل التعدي بالسب والقذف بين كل من… رئيس قسم التعويضات بمكتب تأمينات بيلا ثان و… موظفة التعويضات بذات المكتب، أنه بتاريخ 17/9/2001 وأثناء انصراف المذكورين من العمل تبادلا السب والشتائم وقام الأول بضربها بالحذاء، كما شرعت الثانية بالاعتداء عليه بالحذاء، وهو ما شهد به كل من… مراجع حسابات تأمينات بيلا ثان، و… الموظفة بذات المكتب، و… الموظفة بذات المكتب، ومن ثم تكون المخالفة الأولى المنسوبة إلى الطاعنة في الطعن رقم 4055 لسنة 49ق.عليا وهي التعدي بالسب والقذف على/… رئيس قسم التعويضات بمكتب تأمينات بيلا ثان ثابتة في حقها ثبوتا يقينيا وتشكل مسلكا لا يتفق والاحترام الواجب لكرامة الوظيفة، مما يتعين مجازاتها عنها تأديبيا.
وحيث إنه عن المخالفة الثانية المنسوبة إليها والخاصة باعتصامها وإضرابها عن العمل عقب نقلها إلى مكتب تأمينات كفر الشيخ، فإنه اعتبارا من 8/4/1982 (تاريخ موافقة مجلس الشعب المصري على أحكام الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 537 لسنة 1982 بالموافقة عليها، ومن بين هذه الحقوق الحق في الإضراب، بشرط أن يمارس على وفق قوانين القطر المختص) فقد أصبح الإضراب عن العمل عملا مباحا يمارس تبعا للشروط والضوابط التي تضعها السلطة المختصة، فإن تقاعست السلطات العامة عن تنظيم ممارسة هذا الحق فإنه يظل مباحا تحت رقابة القضاء، وإذ لم يثبت في الأوراق أن إضراب الطاعنة المذكورة عن العمل قد أضر بجهة عملها، ومن ثم فإن المخالفة الثانية المنسوبة إليها لا تشكل والحالة هذه ذنبا إداريا، فلا تسأل عنها تأديبيا.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى ذات النتيجة، وعدَّل القرار المطعون فيه رقم 21 لسنة 2002 فيما تضمنه من مجازاتها بخصم شهر من راتبها، والاكتفاء بمجازاتها عن المخالفة الأولى بخصم عشرة أيام من راتبها، فإنه يكون قد صادف صحيح الواقع والقانون، مما يتعين معه الحكم برفض الطعنين رقمي 3793 و 4055 لسنة 49ق.عليا.
حكمت المحكمة بقبول الطعنين شكلا، ورفضهما موضوعا.
([1]) راجع وقارن بحكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 1932 لسنة 35 ق عليا بجلسة 25/1/1994 (منشور بمجموعة السنة التاسعة والثلاثين- مكتب فني، الجزء الأول، المبدأ رقم 74 ص 755)، حيث ذهب إلى أن الاتفاقية الدولية للحقوق الاجتماعية والثقافية لا تعطي للعامل في شركات القطاع العام الحق في أن يدعو للإضراب ويحرض عليه؛ لما في ذلك من زعزعة للأمن العام وإخلال بالسكينة العامة وشيوع الفوضى داخل العمل.
وراجع كذلك حكمها في الطعن رقم 5567 لسنة 44 ق عليا بجلسة 19/5/2002 (منشور بمجموعة السنة السابعة والأربعين- مكتب فني، المبدأ رقم 92 ص 841)، حيث ذهبت المحكمة إلى أن الحق في الإضراب عن العمل حق مشروع طبقا للاتفاقيات الدولية للحقوق الاجتماعية والثقافية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ووقعت عليها جمهورية مصر العربية وتم التصديق عليها، إلا أن هذا الحق لا يتساوى مع الدعوة إلى الامتناع عن العمل أو التوقف عن العمل الفوري بغرض تحقيق بعض المطالب أو الحقوق العمالية، والتي تؤدي إلى زعزعة استقرار المنشأة وشيوع الفوضى داخل العمل وهو ما يعد إخلالا جسيماً من العامل بواجبات وظيفته.
وراجع كذلك فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع (بشأن إضراب الأطباء)، حيث انتهت في فتواها في الملف رقم 86/6/681 -بعد أن اعترفت بالحق في الإضراب كحق من الحقوق المقررة للمواطن المصري وللموظف العام– إلى عدم مشروعية الإضراب الذي أعلنته النقابة العامة للأطباء؛ لمجاوزته للحدود المشروعة لممارسة حق الإضراب، ومخالفته للطبيعة القانونية للنقابات المهنية ودورها الذي أنشئت من أجله.