جلسة 11 من ديسمبر سنة 2004م
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ د. عبد الرحمن عثمان أحمد عزوز
رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ عادل محمود زكى فرغلى، وكمال زكى عبد الرحمن اللمعى، ومنصور حسن على غربى، والسيد محمد السيد الطحان، ود/ حمدى محمد أمين الوكيل، وأحمد أمين حسان، وإدوارد غالب سيفين، وسامى أحمد محمد الصباغ، ومحمود إبراهيم محمود على عطا الله، وأحمد عبد العزيز إبراهيم أبو العزم.
نواب رئيس مجلس الدولة
وبحضور السيد الأستاذ المستشار/ رضا محمد عثمان
مفوض الدولة
وحضور السيد/ كمال نجيب مرسيس
سكرتير المحكمة
الطعن رقم 12326 لسنة 46 قضائية. عليا:
شئون أعضاء ــ التعيين بوظيفة معاون نيابة إدارية ــ السلطة التقديرية للجان المقابلة.
صدور قرار بتشكيل لجنة لمقابلة المتقدمين لشغل وظيفة معاون نيابة إدارية دون أن يقيد مهمة عمل اللجنة سوى التحقق من توافر الأهلية اللازمة لشغل الوظيفة، وأنها فى سبيلها إلى ذلك لم يقيدها القرار بإجراء أى اختبارات سابقة تتعلق بالقدرات والعناصر الدالة على توافر تلك الأهلية، وأنه ترتيباً على ذلك فإن سلطتها فى الاختيار تكون سلطة تقديرية لا يحدها سوى المصلحة العامة، وأن القول بغير ذلك إنما يؤدى إلى إهدار كل قيمة لعمل لجان المقابلة، وحلول المحكمة محلها بناءً على ضوابط يضعها القاضى ليحدد على أساسها مدى توافر الأهلية اللازمة لشغل الوظيفة وأن تلك النتيجة يأباها التنظيم القضائى ومبدأ الفصل بين السلطات. وأنه بناءً على ذلك فإنه إذا أتيحت للمتقدم فرصة مقابلة اللجنة المنوط بها استخلاص أهليته فى تولى الوظيفة القضائية، فإنه لا يكون أمامه إن أراد الطعن فى القرار الصادر بتخطيه فى التعيين سوى التمسك بعيب الانحراف عن المصلحة العامة وعندئذ يقع على عاتقه عبء إثبات هذا العيب، وهو أمر غير وارد لأن الإدارة اتخذت موقفاً جدياً ببحث طلب التعيين، واستخلصت توافر الشروط العامة، وبالتالى عرضت أمره على اللجنة لاستخلاص مدى توافر أهلية شغل الوظيفة، وأنه لا وجه فى هذا الصدد للنظر فى قصور الأسباب؛ لأن القواعد القانونية التى تحكم مسلك لجنة المقابلة لم تلزمها بتسبيب قرارها، لا سيما وأن السبب هنا وهو الحالة الواقعية للمتقدم لشغل الوظيفة يندمج فى الأهلية اللازمة لشغلها، وبالتالى يذوب فى الفكرة الموضوعية المستهدفة من القرار المطعون فيه وهى تحقيق المصلحة العامة ــ تطبيق.
بتاريخ 26/9/2000 أودع الأستاذ/ جلال سعد الشابورى (المحامى) نائبًا عن الأستاذ/ محمد لبيب عقل (المحامى) بصفته وكيلاً عن الطاعن قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرًا بالطعن قيد بجدولها برقم 12326 لسنة 46 ق .عليا طالبًا الحكم له بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 230 لسنة 2000 فيما تضمنه من تخطيه فى التعيين بوظيفة معاون نيابة إدارية مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وقد أعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا فى الطعن انتهى لأسبابه إلى قبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطى الطاعن فى التعيين بوظيفة معاون نيابة إدارية مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وبجلسة2/3/2002 نظرت الدائرة الثانية بالمحكمة الإدارية العليا الطعن وتداولت نظره على الوجه المبين بالأوراق، وبجلسة 19/11/2002 قررت إحالته إلى الدائرة السابعة للاختصاص، وبجلسة1/12/2002 نظرت الدائرة السابعة الطعن وتداولت نظره على الوجه المبين بمحاضر الجلسات وبجلسة 26/1/2003 قررت إحالته إلى الدائرة المشكَّلة طبقًا للمادة (54) مكرر من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة وبجلسة 8/5/2003 نظرت دائرة توحيد المبادئ الطعن وتداولت نظره على الوجه المبين بمحاضر الجلسات وبجلسة 12/2/2004 قررت إعادته إلى الدائرة السابعة لبيان الظرف الذى استدعى الإحالة طبقًا لأحكام المادة (54) مكرر من قانون مجلس الدولة والأسباب التى تستند إليها الإحالة، وبجلسة 9/5/2004 أوضحت الدائرة السابعة أن الإحالة ترجع إلى أن المحكمة الإدارية العليا استقرت فى شأن القرارات الصادرة بالتعيين على أن الإدارة تترخص فى إصدارها بسلطة تقديرية كاملة تتسع كلما ارتفعت قيمة الوظيفة وأهميتها،كما تتمتع بسلطة تقديرية كاملة فى اختيار الوقت الملائم لشغل واختيار العناصر لشغلها إلا أن الدائرة تبينت صدور حكم من الدائرة الثانية يقضى بأن الجهة الإدارية لا تترخص فى شأن التعيين بأية سلطة تقديرية، وأن قرارها فى هذا الشأن هو محض تطبيق للضمانات والقيود المنصوص عليها فى القانون والتى يتعين على الإدارة الالتزام بها، وبجلسة 2/9/2004 عادت دائرة توحيد المبادئ إلى نظر الطعن، وتداولت نظره على الوجه المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 9/1/2004 قررت إصدار الحكم بجلسة 11/12/2004، وبجلسة اليوم صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به.
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطاعن يطلب إلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 230 لسنة 2000 فيما تضمنه من استبعاده من التعيين بوظيفة معاون نيابة بهيئة النيابة الإدارية، وذلك على سند من القول بأنه حاصل على ليسانس الحقوق من جامعة المنصورة دور مايو سنة 1992 بتقدير جيد ومجموع 148 درجة من 200 درجة وحاصل على دبلوم القانون العام سنة 1996 ودبلوم العلوم الاقتصادية والمالية سنة 1997 وتقدم للتعيين بوظيفة معاون نيابة إدارية بهيئة النيابة الإدارية إلا أن القرار المطعون فيه تخطاه فى التعيين بتلك الوظيفة رغم أنه شمل من هم أقل منه فى الترتيب العام والدرجة العلمية، وأكد الطاعن أنه طيب السمعة والسيرة ولم يرتكب ما يخل بالشرف أو الاعتبار وأنه يتمتع بالأهلية الكاملة، واستند الطاعن إلى حكم المحكمة الإدارية العليا فى الطعن رقم 7437 لسنة 46 ق الصادر بجلسة 30/3/2003 الذى قضى بإلغاء ذات القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطى من أمامه لعدم توافر ضوابط محددة فى الاختيار، وأضاف أن اللجنة المختصة بالاختيار لم تمنح المتقدمين درجات محددة وإنما كانت تكتفى بعبارتى (لائق) و(غير لائق).
ومن حيث إنه ردًا على ذلك طلبت الحكومة رفض الطعن استناداً إلى المستقر فى قضاء المحكمة الإدارية العليا من ترخص الإدارة فى التعيين بسلطة تقديرية لا معقب عليها وأن الطاعن لم يقدم دليلاً على صدور القرار المطعون فيه مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة، وقدمت الحكومة لتأييد دفاعها مذكرة قرار رئيس الجمهورية المطعون فيه وشهادة بحصول الطاعن فى المقابلة أمام اللجنة المختصة بالاختيار على ثلاث درجات من عشر، وصورة من محضر المقابلة المثبت لذلك.
ومن حيث إن هذه الدائرة سبق لها أن قضت بجلسة 6/5/2004 فى الطعن رقم 12414 لسنة 46 ق الذى تضمَّن طلب إلغاء ذات القرار لذات الأسباب، بأن التعيين فى وظيفة معاون نيابة إدارية يتم بمقتضى سلطة تقديرية مقيدة بالمصلحة العامة، وذلك على أساس أن المسألة التى تثيرها الإحالة تنحصر فى الترجيح بين الاتجاه السائد الذى يذهب إلى تمتع الإدارة فى التعيين بالوظائف القضائية بسلطة تقديرية لا يحدها سوى استهداف المصلحة العامة وهو ما يعنى قصر رقابة القضاء على ركن الغاية فى القرارات الصادرة بالتعيين فى تلك الوظائف فتصبح تلك الرقابة رهينة بإثبات سوء استعمال السلطة الذى يقع حتماً على عاتق الطاعن إعمالاً لقرينة الصحة التى تحمل عليها كافة القرارات الإدارية، وبين اتجاه حديث للمحكمة الإدارية العليا بسطت فيه رقابتها على ركن السبب فى القرارات الإدارية المشار إليها فنظرت فى مدى استيفاء الطاعن شروط وضوابط التعيين، ومن ثَمَّ مدت رقابتها إلى سبب القرار ولم تقف عند غايته، وأن النيابة الإدارية أصدرت فى 30/6/1998 القرار رقم 108 لسنة 1998 بتشكيل لجنتين لمقابلة المتقدمين للتعيين بوظيفة معاون نيابة إدارية، وذلك (للوقوف على مدى توافر الأهلية اللازمة لشغل هذه الوظيفة القضائية فى كل منهم)، وأن هذا التشكيل ضم رئيس الهيئة وكبار أعضائها وأمين عام المجلس الأعلى للنيابة الإدارية، وأن ذلك يقتضى اعتبار اجتياز تلك المقابلة شرطاً لازماً يضاف إلى شروط التعيين المنصوص عليها فى القانون والتى تنحصر فى التمتع بجنسية جمهورية مصر العربية والحصول على إجازة الحقوق وعدم صدور أحكام من المحاكم أو مجالس التأديب فى أمر مخل بالشرف ولو تم رد الاعتبار، وحسن السمعة وطيب السيرة، وذلك وفقاً لنص المادة (38) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 الذى أحالت إليه المادة (38) من قانون النيابة الإدارية رقم 117 لسنة 1958 المعدل بالقانون رقم 12 لسنة 1989، وأن قرار تشكيل لجنتى المقابلة المشار إليه لم يقيد مهمة اللجنتين سوى بمدى توافر الأهلية اللازمة لشغل الوظيفة، وأن تلك المهمة لم تتقيد بأىّ اختبارات سابقة تتعلق بالقدرات والعناصر الدالة على توافر تلك الأهلية، كما لم تتقيد بأى ضوابط أخرى، وأنه ترتيبًا على ذلك فإن سلطتها فى الاختيار تكون سلطة تقديرية لا يحدها سوى المصلحة العامة، وأن القول بغير ذلك إنما يؤدى إلى إهدار كل قيمة لعمل لجان المقابلة، وحلول المحكمة محلها بناءً على ضوابط يصنعها القاضي ليحدد على أساسها مدى توافر الأهلية اللازمة لشغل الوظيفة، وأن تلك النتيجة يأباها التنظيم القضائى ومبدأ الفصل بين السلطات، وإذا كان البادى أن مهمة اللجنة لم تقترن على نحو صريح بمعيار واضح يحدد لها كيفية أداء مهمتها، فإن ذلك لا يعنى أنها مارست عملها دون ضوابط أو معايير إذ لابد وأنها استعانت بالعرف العام الذى يحيط تولى الوظائف القضائية بمعايير دقيقة وضوابط قاطعة وصفات سامية، بيد أنه يبقى من غير المسموح به أن تحل المحكمة نفسها محل اللجنة فى إعمال تلك المعايير والضوابط واستخلاص تلك الصفات، وأن السلطة التقديرية المقررة لتلك اللجنة لا تعد امتيازًا يتعين الحد منه برقابة قضائية حاسمة؛ ذلك لأن ممارسة السلطة التقديرية فى مجال التعيين فى الوظائف القضائية سيظل على وجه الدوام واجبًا يبتغى المصلحة العامة باختيار أكفأ العناصر وأنسبها، وأن ذلك أمر سيبقى محاطًا بإطار المشروعية التى تتحقق باستهداف المصلحة العامة دون سواها، وذلك بالتمسك بضرورة توافر ضمانات شغل الوظيفة والقدرة على مباشرة مهامها فى إرساء العدالة دون ميل أو هوى، وأن تلك السلطة التقديرية هى التى تقيم الميزان بين حق كل من توافرت فيه الشروط العامة المنصوص عليها فى القانون فى شغل الوظائف القضائية وبين فاعلية مرفق القضاء وحسن تسييره، فلا يتقلد وظائفه إلا من توافرت له الشروط العامة، وحاز ـ بالإضافة إليها ـ الصفات والقدرات الخاصة التى تؤهله لممارسة العمل القضائى على الوجه الأكمل، وأنه بناءً على ذلك فإنه إذا أتيحت للمتقدم فرصة مقابلة اللجنة المنوط بها استخلاص أهليته فى تولى الوظيفة القضائية والمشكَّلة من قمم الجهة التى تقدم لشغل وظائفها، فإنه لا يكون أمامه إن أراد الطعن فى القرار الصادر بتخطيه فى التعيين سوى التمسك بعيب الانحراف عن المصلحة العامة وعندئذ يقع على عاتقه عبء إثبات هذا العيب وهو أمر غير وارد؛ لأن الإدارة اتخذت موقفًا جديًا ببحث طلب التعيين واستخلصت توافر الشروط العامة، وبالتالي عرضت أمره على اللجنة لاستخلاص مدى توافر أهلية شغل الوظيفة، وأنه لا وجه فى هذا الصدد للنظر فى قصور الأسباب لأن القواعد القانونية التى تحكم مسلك لجنة المقابلة لم تلزمها بتسبيب قرارها ولأن الأهلية أو عدمها فى تولى الوظائف القضائية إنما هى حالة عامة تستشف إما ببصيرة نافذة لدى مجموعة من المتمرسين عبر لقاء مركز وخلال فترة زمنية محدودة وإما برقابة تستمر لفترة ليست بالقصيرة يجريها المؤهلون لذلك من المتخصصين، وعليه إن لم تتوافر الوسيلة الثانية لا يصح إهدار الأولى بحجة قصور الأسباب؛ لأن السبب هنا وهو الحالة الواقعية للمتقدم للوظيفة يندمج فى الأهلية اللازمة لشغلها، وبالتالى يذوب فى الفكرة الموضوعية المستهدفة من القرار المطعون فيه وهى تحقيق المصلحة العامة.
ومن حيث إنه إذا كان الأمر كذلك وكانت أوراق هذا الطعن لم تقدم جديداً، فإن هذه الدائرة تقضى بذات المبدأ الذى سبق أن أقرته فى حكمها الصادر فى الطعن رقم 12414 لسنة 46 ق. عليا بجلسة 6/5/2004.
حكمت المحكمة
بإعمال ذات المبدأ الذى قررته فى الطعن رقم 12414 لسنة 46 ق، والذى يقضى بأن التعيين فى وظيفة معاون نيابة إدارية يتم بمقتضى سلطة تقديرية مقيدة بالمصلحة العامة، وأمرت بإعادة الطعن إلى الدائرة المختصة.