جلسة 8 من يوليو سنة 2009
(الدائرة السادسة)
الطعن رقم 1251 لسنة 48 القضائية عليا.
ما يدخل في الاختصاص الولائي لمحاكم مجلس الدولة- منازعات مكتب تنسيق القبول بالكليات العسكرية.
قصر المشرع اختصاص لجنة ضباط القوات المسلحة المنصوص عليها في القانون المشار إليه على نظر الطعن في القرارات الإدارية النهائية الصادرة عن مجالس الكليات والمعاهد العسكرية المعدة لتخريج الضباط العاملين بالقوات المسلحة، ومن ثم يدخل الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية في قرارات مكتب تنسيق القبول بالكليات العسكرية في ولاية محاكم مجلس الدولة باعتباره صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية- أساس ذلك: أنه وإن جاز استثناء إسناد الفصل في بعض المنازعات الإدارية إلى جهات قضائية أخرى، فإن هذا الاستثناء وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا يكون بالقدر وفي الحدود التي تقتضيها المصلحة العامة، وفي إطار التفويض المخول للمشرع في الدستور، فالاستثناء يقدر بقدره ولا يتوسع في تفسيره ولا يقاس عليه- أكدت المحكمة الدستورية العليا هذا الاتجاه بموجب حكمها الصادر في الدعوى رقم 224 لسنة 19 قضائية دستورية- لا ينال من ذلك إضافة المشرع فقرة ثانية إلى المادة (1) من القانون المشار إليه تنص على اختصاص تلك اللجنة دون غيرها بالفصل في جميع المنازعات الإدارية الخاصة بالقرارات النهائية الصادرة عن مكتب تنسيق القبول بالكليات والمعاهد العسكرية المعدة لتخريج ضباط القوات المسلحة، ولا ينال منه كذلك حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 199 لسنة 25 ق.دستورية الذي انتهى إلى رفض الدعوى بعدم دستورية هذا النص (بعد تعديله)؛ حيث إن هذا التعديل لا يملكه المشرع من ناحية، وكان على المحكمة الدستورية العليا أن تقضي بعدم دستوريته من ناحية أخرى؛ لتصادم ذلك التعديل مع ما أرسته المحكمة الدستورية العليا ذاتها في حكمها سالف الإشارة إليه، وهو ما يعد عدولا منها عن سابق قضائها، وهو أمر غير جائز- تطبيق.
عدم جواز عدولها عن قضاء سابق لها- لا تعتد محكمة الموضوع بهذا العدول.
إذا أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكما بعدم دستورية نص، فأدخل المشرع استجابة لهذا الحكم تعديلا على النص، يتضمن إلغاءه شكلا وبقاءه مضمونا وجوهرا، وقضت المحكمة الدستورية العليا بدستورية النص المعدل، فإن قضاءها هذا يعد عدولا منها عن سابق قضائها، وهو أمر غير جائز بل غير متصور؛ إعمالا للأثر العيني للحكم الأول- أساس ذلك: أن المحكمة الدستورية العليا تكون والحالة هكذا قد استنفدت ولايتها تماما في الفصل في هذه المنازعة، ولم يعد بوسعها معاودة التصدي والنظر في مدى دستورية نص سبق لها أن قضت بعدم دستوريته- ترتيبا على ذلك: يكون حكم المحكمة الثاني قد ورد بشأن نص منعدم، أي ورد على غير محل، مما يتعين معه الالتفات عنه حفاظا على حجية حكم المحكمة الدستورية العليا الأول، ورفعا للتناقض بينه وبين حكمها الثاني.
في يوم الأربعاء الموافق 28/11/2001 أودعت هيئة قضايا الدولة بصفتها نائبة عن الطاعنين قلم كتاب المحكمة تقريراً بالطعن على الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالقاهرة في الدعوى رقم 1412 لسنة 55 ق بجلسة 29/9/2001 الذي قضى في منطوقه بالآتي: حكمت المحكمة بقبول الدعوى شكلاً وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار وأمرت بتنفيذ الحكم بمسودته الأصلية دون إعلان وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.
وطلب الطاعنون للأسباب الواردة بتقرير الطعن الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه، وبقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجدداً أصلياً بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري ولائياً بنظر المنازعة، واختصاص اللجان العسكرية، واحتياطياً برفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام المطعون ضده المصروفات.
وقد أعلن الطعن وفقاً للثابت بالأوراق، وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعاً وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.
ونظرت الدائرة السادسة فحص طعون بالمحكمة الإدارية العليا الطعن بعدة جلسات ثم قررت إحالته إلى الدائرة السادسة موضوع لنظره وفقاً لذلك ورد الطعن إلى هذه المحكمة حيث تدوول بالجلسات على النحو الثابت بمحاضرها إلى أن قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تخلص في أنه بتاريخ 26/11/2000 أودع المطعون ضده قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بالقاهرة صحيفة الدعوى رقم 1412 لسنة 55 ق طالباً في ختامها الحكم بقبول الدعوى شكلا، وبوقف تنفيذ وإلغاء القرار المطعون فيه بشطب اسم نجله من سجلات المقبولين بالكلية الجوية العسكرية وإلزام الجهة الإدارية المدعى عليها المصروفات.
وذكر المدعي شرحاً لدعواه أن نجله المذكور تخرج في المدرسة الثانوية الجوية العسكرية وتقدم للالتحاق بالكلية الجوية واجتاز جميع الاختبارات بنجاح وأخطر بنجاحه، غير أنه فوجئ بحذف اسمه من كشف الناجحين بالكلية بمقولة زيادة وزنه رغم أن وزنه في الحدود المسموح بها.
وبجلسة 29/9/2001 صدر الحكم المطعون فيه في الشق العاجل من الدعوى وقضى بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، حيث رد الحكم على الدفع بعدم الاختصاص الولائي بنظر الدعوى، أما عن طلب وقف التنفيذ فقد استند إلى ركني الجدية والاستعجال، حيث نكلت الجهة الإدارية عن تقديم ملف نجل المدعي بالكلية الجوية العسكرية متضمناً نتيجة كشف الهيئة به ومحاضر لجنة القبول بالنسبة لآخر عشرة من الطلاب الذين قبلوا بها بناء على طلب المحكمة، فضلاً عن أن التقارير الطبية الصادرة عن مستشفيات حكومية تفيد أن وزن نجل المدعي في حدود الوزن المطلوب للالتحاق بإحدى الكليات العسكرية.
وانتهى الحكم المطعون فيه إلى قضائه المتقدم.
لم يلق هذا القضاء قبولاً لدى الجهة الإدارية الطاعنة التي نعت عليه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله من وجهين: أولا: عدم اختصاص محكمة القضاء الإداري ولائيا بنظر الدعوى، حيث تختص لجان ضباط القوات المسلحة بنظر المنازعات الإدارية النهائية المصدق عليها من وزير الدفاع التي تصدرها مجالس الكليات والمعاهد العسكرية المعدة لتخريج الضباط العاملين بالقوات المسلحة، كما تختص بنظر المنازعات المتعلقة بالتحاق الطلبة بهذه الكليات. والوجه الثاني: أن الجهة الإدارية لدى نظر الطعن سوف تقدم المستندات اللازمة، ومن ثم تسقط قرينة النكول عن تقديمها أمام محكمة القضاء الإداري، كما أن استبعاد الطالب نجل المطعون ضده كان بسبب عدم لياقته الطبية وزيادة وزنه عن الوزن المقرر، وأن الذي يقرر ذلك هو الجهة الطبية بالقوات الجوية دون غيرها، ولا يعتد بأية شهادات صادرة عن جهة أخرى.
واختتمت الجهة الإدارية تقرير طعنها بطلب الحكم بطلباتها.
ومن حيث إنه عن الوجه الأول من أوجه الطعن المتعلقة بالدفع بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري ولائياً بنظر المنازعة واختصاص لجان ضباط القوات المسلحة بها فإن هذا الدفع سبق لهذه المحكمة أن رفضته بموجب حكمها في الطعن رقم 4507 لسنة 59 ق. عليا بجلسة 15/5/1994 تأسيساً على أن صريح نص المادة الأولى من القانون رقم 99 لسنة 1983 قصر اختصاص هذه اللجان على القرارات الإدارية النهائية الصادرة عن مجالس الكليات والمعاهد العسكرية المعدة لتخريج الضباط العاملين بالقوات المسلحة، وبالتالي يدخل الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية في قرارات مكتب تنسيق القبول بالكليات العسكرية في ولاية محاكم مجلس الدولة باعتباره صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية طبقاً لنص المادة (172) من الدستور؛ لأنه وإن جاز استثناء إسناد الفصل في بعض المنازعات الإدارية إلى جهات قضائية أخرى، فإن هذا الاستثناء وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا يكون بالقدر وفي الحدود التي تقتضيها المصلحة العامة، وفي إطار التفويض المخول للمشرع في المادتين 167 و 183 من الدستور فالاستثناء يقدر بقدره ولا يتوسع في تفسيره ولا يقاس عليه.
كما أن المحكمة الدستورية العليا أكدت هذا الاتجاه ورفضت هذا الدفع بموجب حكمها الصادر في الدعوى رقم 224 لسنة 19 قضائية دستورية بجلسة 9/9/2000 حيث قضت بأن “الأنزعة الإدارية فيما يصدر في شأن طلاب المعاهد العسكرية من قرارات إدارية، سواء ما اتصل منها بتحصيلهم الدراسي أو ما تعلق باجتيازهم لما يعقد لهم من اختبارات إنما تتماثل في طبيعتها وتتحد في جوهرها مع المنازعات الخاصة بأقرانهم طلاب الجامعات والمعاهد التابعة لوزارة التعليم أو الخاضعة لإشرافها، فهي صنوها والدراسة هي لبها ومحورها جميعها، وهؤلاء وأولئك يدعون فيها بصفة واحدة بكونهم طلابا، وكان يلزم إعمالاً للأصل المقرر بنص المادة 172 من الدستور أن ينعقد الاختصاص بنظرها جميعا دون تفرقة لمحاكم مجلس الدولة باعتباره قاضيها الطبيعي، إذا كان ذلك فإن النص الطعين (المادة 1 من القانون رقم 99 لسنة 83 قبل تعديله) إذ أفرد المنازعات المتعلقة بطلاب المعاهد العسكرية بنظام قضائي خاص يشذ عن نظام التداعي الأصلي في شأن المنازعات الإدارية قاطبة، مُنَحِّيا ما بين هذه النظائر -المتحدة معطياتها- من توافق، مفترضاً تخالفها فيما بينها؛ إنما يخل بما يتعين قيامه من قواعد موحدة في شأنها عامة، ويخص هذا الفريق من الطلاب دون جموعهم بالتنظيم المطعون فيه، مع أنهم في عمومهم إزاء حق التقاضي فيما ينشأ من دراستهم من أنزعة ذوو مراكز قانونية متماثلة”.
وحظرت المحكمة الدستورية العليا على المشرع عند تنظيمه للقضاء العسكري بموجب التفويض المخول له بالمادة (183) من الدستور أن يسلب اختصاص مجلس الدولة إلا استثناء ولضرورة ملجئة وتحقيقاً للمصلحة العامة، حيث استطردت في حكمها المشار إليه: “إنه ولئن فوض الدستور بمقتضى المادة (183) المشرع في تنظيم القضاء العسكري وبيان اختصاصاته، إلا أنه قيد هذا التفويض –بنص غير مسبوق– بأن يكون ذلك التنظيم في حدود المبادئ الواردة في الدستور، وإذ كان الدستور بما نص عليه في المادة (68) من أن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، قد دل –على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة، تتكافأ فيه مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعاً عن مصالحهم الذاتية، وأن الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا في نطاق القواعد الإجرائية أو الموضوعية التي تحكم الخصومة القضائية، ولا في مجال التداعي بشأن الحقوق المدعى بها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروطها، إذ ينبغي دوماً أن يكون للخصومة الواحدة قواعد موحدة، سواء في مجال اقتضائها أو الدفاع عنها أو الطعن في الأحكام التي تصدر فيها، وكان مجلس الدولة –بنص المادة 172 من الدستور– هو قاضي القانون العام في المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية، ما فتئ قائماً عليها، باسطاً ولايته على مختلف أشكالها وتعدد صورها؛ لما كان ما تقدم وكانت المادة (65) من الدستور تنص على أن تخضع الدولة للقانون. وأن استقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات، وكان الدستور قد أكد في المادة (165) أن المحاكم هي التي تتولى السلطة القضائية، فإنه إذا ما قدر المشرع ملاءمة إسناد الفصل في بعض الخصومات استثناء إلى إحدى الهيئات ذات الاختصاص القضائي فإن سلطته في هذا الشأن تكون مقيدة بعدم الخروج على نصوص الدستور، وعلى الأخص تلك التي تضمنتها المواد 40 و 68 و 165 و 172 بل يتعين عليه التأليف بينها في مجموعها، وبما يحول دون تناقضها فيما بينها أو تهادمها، ومن ثم فلا يجوز –على ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة- إيلاء سلطة القضاء في منازعات بعينها إلى غير قاضيها الطبيعي إلا في أحوال استثنائية تكون الضرورة في صورتها الملجئة هي مدخلها، وصلتها بالمصلحة العامة –في أوثق روابطها– مقطوعاً بها، ومبرراتها الحتمية لا شبهة فيها، وهذه العناصر جميعها ليست بمنأى عن الرقابة القضائية لهذه المحكمة، بل تخضع لتقييمها، بما لا يخرج نص أي من المادتين (68، 172) من الدستور عن أغراضها التفافاً حولها، بل يكون لمضمونها مجاله الطبيعي الذي حرص المشرع الدستوري على عدم جواز إهداره، ذلك أن ما يقرره الدستور في المادة (167) لا يجوز اتخاذه موطئاً لاستنزاف اختصاص المحاكم أو التهوين من تخصيص الدستور بعضها بمنازعات بذواتها باعتبارها قاضيها الطبيعي وصاحبة الولاية العامة بالفصل فيها”.
وانتهت المحكمة إلى الحكم بعدم دستورية نص المادة (1) من القانون رقم 99 لسنة 1983 فيما تضمنه من إطلاق اختصاص لجنة ضباط القوات المسلحة المنعقدة بصفة هيئة قضائية دون غيرها بالنظر في المنازعات الإدارية الخاصة بالقرارات النهائية المصدق عليها من وزير الدفاع التي تصدرها مجالس المعاهد العسكرية المعدة لتخريج الضباط العاملين بالقوات المسلحة في شأن الطلاب المقيدين بها.
ومن حيث إنه هدياً بما تقدم فإن الدفع بعدم الاختصاص الولائي لمحكمة القضاء الإداري بنظر هذه الدعوى يكون غير صحيح جديراً بالرفض.
ولا ينال من ذلك التعديل بإضافة المشرع فقرة ثانية إلى المادة (1) من القانون رقم 99 لسنة 1983 بشأن الطعن في قرارات مجالس الكليات والمعاهد العسكرية المعدة لتخريج ضباط القوات المسلحة، وذلك بموجب القانون رقم 152 لسنة 2002 والتي نصت على أنه: “كما تختص هذه اللجنة (لجنة ضباط القوات المسلحة) دون غيرها بالفصل في جميع المنازعات الإدارية الخاصة بالقرارات النهائية الصادرة عن مكتب تنسيق القبول بالكليات والمعاهد العسكرية المعدة لتخريج ضباط القوات المسلحة”.
ولا ينال منه كذلك حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 199 لسنة 25 ق.دستورية بجلسة 27/5/2003 والتي انتهت إلى رفض الدعوى بعدم دستورية هذا النص (بعد تعديله)؛ حيث إن هذا التعديل لا يملكه المشرع من ناحية، وكان على المحكمة الدستورية العليا أن تقضي بعدم دستوريته لتصادم ذلك التعديل مع ما أرسته المحكمة الدستورية العليا ذاتها في حكمها سالف الإشارة إليه في الدعوى رقم 224 لسنة 19 ق. دستورية الذي حظر على المشرع سلب اختصاص مجلس الدولة ومنحه لأية جهة أخرى قضائية أو غير قضائية، حيث إن مجلس الدولة بنص المادة (172) من الدستور هو صاحب الولاية العامة والقاضي الطبيعي وحده ودون غيره في سائر المنازعات الإدارية، فضلاً عن أن هذا التعديل من ناحية أخرى يهدر الأصول العامة التي أرستها المبادئ الدستورية في المواد أرقام (40) و (68) و (167) و (172) من الدستور حسبما سلف الإلماح إليها.
ولا محاجة هنا بأن المشرع إنما أضاف هذه الفقرة بتعديل المادة (1) المشار إليها بموجب التفويض الدستوري الذي خوله ذلك بالمادة (183) لتنظيم القضاء العسكري وبيان اختصاصاته؛ حيث إن سلطة المشرع في هذه الحالة مقيدة بعدم الخروج على نصوص الدستور وما أرسته من مبادئ عن المساواة واستقلال القضاء وعدم المساس باختصاص محاكم مجلس الدولة إلا استثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره ولضرورة ملجئة تحقيقاً لمصلحة عامة، وكل ذلك مفقود في الحالة المعروضة وليس له في الأصل وجود، ولا يسعف المشرع في هذه الحالة أن شايعته المحكمة الدستورية العليا بحكمها المشار إليه والتي أسست قضاءها برفض الدعوى على ما ورد بالمذكرة الإيضاحية للقانون الذي أورد هذا التعديل من أن القوات المسلحة تستلزم انتقاء أفضل العناصر التي تتوافر فيها الشروط اللازمة للقبول بالكليات والمعاهد العسكرية من النواحي الطبية والنفسية والسمات الشخصية والتناسق والشكل العام والوعي القومي؛ حيث إن ذلك مردود بأن هذه الشروط جميعها والاختبارات الطبية والبدنية والنفسية التي يخضع لها طلبة الكليات العسكرية ذاتها يخضع لها طلبة كليات أكاديمية الشرطة، إذ يخضع الطلبة فيها لقواعد عسكرية صارمة تتسم بالمحافظة على الضبط والربط، ويحاكم الطلاب بها أمام المحكمة العسكرية، ويسري عليهم قانون الأحكام العسكرية حسبما قضت بذلك المادة (14) من القانون رقم 91 لسنة 75 بإنشاء أكاديمية الشرطة، وفي ذات الوقت يختص مجلس الدولة بالمنازعات الإدارية التي تنشأ بين الطلبة وبين هذه الأكاديمية بدءاً من استبعادهم من التنسيق والقبول بكليات الشرطة وأثناء الدراسة والامتحانات بها، والطعن على ما يصدر ضدهم من قرارات بالتصديق على أحكام المحاكم العسكرية حتى تخرجهم منها سواء في كلية الشرطة أو كلية الضباط المتخصصين، ولم ينكر أحد على مجلس الدولة اختصاصه الأصيل بنظر منازعاتهم الإدارية، وإذ يتساوى طلبة أكاديمية الشرطة بطلبة الكليات العسكرية من حيث إجراءات التنسيق والقبول أو الدراسة باعتبارهم جميعاً طلبة كليات ومعاهد عسكرية، فإن اختصاص لجنة الضباط بالقوات المسلحة بأي شأن من شئون طلبة الكليات والمعاهد العسكرية سواء من حيث التنسيق أو الدراسة حتى التخرج يمثل إهداراً صارخاً لمبدأ المساواة المنصوص عليها في المادة 40 من الدستور، حيث مايز المشرع بين فئتين من الطلبة المتساوين في المراكز القانونية، ولم يظلهم جميعاً أو يساوي بينهم من حيث القواعد القانونية التي يعاملون بها، والتي يجب أن تكون واحدة، بأن يُمَكن جميعهم من اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي، ويُترك الفصل في منازعاتهم الإدارية إلى مجلس الدولة صاحب الولاية العامة فيها.
يضاف إلى ما سبق أن المحكمة الدستورية العليا وقد قضت في حكمها الأول الصادر بجلسة 9/9/2000 في الدعوى رقم 224 لسنة 19 قضائية دستورية بعدم دستورية نص المادة رقم (1) من القانون رقم 99 لسنة 1983 فيما تضمنه من إطلاق اختصاص لجنة ضباط القوات المسلحة المنعقدة بصفة هيئة قضائية دون غيرها بالنظر في المنازعات الإدارية الخاصة بالقرارات النهائية المصدق عليها من وزير الدفاع والتي تصدرها مجالس المعاهد العسكرية المعدة لتخريج الضباط العاملين بالقوات المسلحة في شأن الطلاب المقيدين بها. فإن مقتضى هذا الحكم هو إلغاء أو إعدام هذا النص إعمالاً لمقتضى الأثر العيني للحكم، فإذا ما أصدر المشرع بعد ذلك قانوناً بتعديل أحكام القانون رقم 99 لسنة 1983 المشار إليه يقضي فيه بحذف أو إلغاء النص المقضي بعدم دستوريته ثم يورد نصاً آخر في ذات القانون يناقض تماماً حكم المحكمة الدستورية العليا سالف الإيراد، حيث عدل هذا القانون شكلا بحذفه النص المقضي بعدم دستوريته، بينما أبقى على مضمون النص وجوهره في الحقيقة والواقع عندما أضاف بموجب القانون رقم 152 لسنة 2002 فقرة ثانية إلى المادة (1) من القانون رقم 99 لسنة 1983 آنف الذكر، حيث نصت هذه الفقرة المضافة على أن: “تختص لجان ضباط القوات المسلحة دون غيرها بالفصل في جميع المنازعات الإدارية الخاصة بالقرارات النهائية الصادرة عن مكتب تنسيق القبول بالكليات والمعاهد العسكرية المعدة لتخريج ضباط القوات المسلحة”، فإن هذا يعني أن المشرع – وحسبما سلف بيانه– ألغى النص المقضي بعدم دستوريته من حيث الشكل، ولكن أبقى على مضمونه بموجب الفقرة المضافة بالقانون رقم 152 لسنة 2002 سالفة الإيراد.
وحيث إنه في ظل هذا النص المضاف أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها بجلسة 27/5/2003 في الدعوى رقم 199 لسنة 25 ق دستورية والذي قضى برفض الدعوى بعدم دستورية هذا النص المضاف.
وحيث إن هذا الحكم الأخير يعتبر عدولاً من المحكمة الدستورية العليا عن حكمها الأول الصادر بجلسة 9/9/2000 في الدعوى رقم 224 لسنة 19 قضائية، وإن العدول هنا يعتبر أمراً غير جائز بل غير متصور إعمالاً للأثر العيني للحكم الأول الذي ألغى النص المشار إليه، ذلك أن المحكمة الدستورية العليا تكون والحالة هكذا قد استنفدت ولايتها تماماً في الفصل في هذه المنازعة ولم يعد بوسعها معاودة التصدي والنظر في مدى دستورية نص سبق لها أن قضت بعدم دستوريته، وعليه يكون حكم المحكمة الثاني الصادر بجلسة 27/5/2003 قد ورد بشأن نص منعدم أي ورد على غير محل مما يتعين معه الالتفات عنه حفاظاً على حجية حكم المحكمة الدستورية العليا الأول ورفعاً للتناقض بينه وبين حكمها الثاني، فضلاً عن الالتزام بالشرعية الدستورية وسيادة القانون سيما نص المادة 172 من الدستور التي أكدت على الاختصاصات والمهام الدستورية والقضائية التي يضطلع بها مجلس الدولة بحسبانه قاضي القانون العام في كافة المنازعات الإدارية والتي يدخل ضمنها بطبيعة الحال كافة المنازعات الطلابية في مختلف مراحل التعليم أياً كانت مدارسه ومعاهده وكلياته المدنية منها والعسكرية.
ومن حيث إنه عن الوجه الثاني من أوجه الطعن والذي قررت فيه الجهة الإدارية الطاعنة أنها سوف تهدم قرينة النكول الذي ذهبت إليها محكمة القضاء الإداري بتقديمها المستندات اللازمة أمام هذه المحكمة، فإن البادي من الأوراق بالقدر اللازم للفصل في الشق العاجل بطلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه أن الجهة الإدارية لم تقدم أي مستندات لتأييد قرارها المطعون فيه باستبعاد نجل المطعون ضده من القبول بالكلية الجوية بعد إعلان نجاحه ضمن المقبولين بها، وجاءت أقوالها مرسلة من أن وزنه زائد على المقرر، ولم تقدم أي دليل على ذلك، أو حتى القواعد التي تقرر ما هو الوزن المقبول وما هو مقدار هذه الزيادة، كما لم تقدم أي قرارات أو محاضر أعمال لجان أو إجراءات تم اتخاذها قبله وصولاً إلى النتيجة التي انتهت إليها من أن وزنه زائد، وهو ما دحضه المطعون ضده بتقديم شهادة صادرة عن مستشفى عام تنفي وجود أية زيادة في وزن نجله تحول دون قبوله بالكليات العسكرية، وهو ما يتوافر معه ركن الجدية في طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه لعدم مشروعيته -بحسب الظاهر من الأوراق-، وفقدانه السبب المبرر له قانوناً يجعله مرجح الإلغاء عند نظر طلب إلغائه،كما يتوافر في هذا الطلب ركن الاستعجال حيث يترتب على تنفيذ هذا القرار نتائج يتعذر تداركها، منها المساس بالمستقبل العلمي لنجل المطعون ضده لعدم التحاقه بالكلية التي يرغبها رغم أنه خريج مدرسة ثانوية جوية عسكرية، مما يتعين معه والحال كذلك القضاء بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار، وهي ذات النتيجة التي انتهى إليها الحكم المطعون فيه ومن ثم يكون قد صدر متفقاً وصحيح حكم القانون، ويكون بالتالي الطعن عليه في غير محله خليقاً بالرفض وإلزام الجهة الإدارية المصروفات باعتبارها الخاسرة في هذا الطعن عملا بالمادة (184) من قانون المرافعات.
حكمت المحكمة برفض الدفع بعدم اختصاص محاكم مجلس الدولة ولائيا بنظر المنازعة وباختصاصها بنظرها، وبقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا، وألزمت الجهة الإدارية الطاعنة المصروفات.