جلسة 13 من ابريل سنة 2002م
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ د. عبدالرحمن عثمان أحمد عزوز
رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ على فكرى حسن صالح، ود. محمد ماجد محمود أحمد، وأحمد عبدالحميد حسن عبود، وأحمد حلمى محمد أحمد حلمى
نواب رئيس مجلس الدولة
وبحضور السيد الأستاذ المستشار/ فريد نزيه حكيم تناغو
مفوض الدولة
وحضور السيد/ كمال نجيب مرسيس
سكرتير المحكمة
الطعن رقم 5271 لسنة 41 قضائية عليا
ـ إنشاء وتسيير المرافق العامة ـ سلطة الجهة الإدارية ـ حدودها.
الإدارة أثناء تسييرها للمرفق العام لإشباع حاجات الأفراد بالخدمات التى يقوم عليها هذا المرفق لا تتقيد بأسلوب محدد أو طريق لأداء هذه الخدمة، بل تترخص فى اختيار الوسيلة بما لا معقب عليها من القضاء شريطة ألا تسىء استعمال سلطتها التقديرية المخولة لها فى هذا الشأن أو تنحرف فى استخدامها، فالأصل أن إنشاء هذه المرافق والخدمات يعد من إطلاقات جهة الإدارة التى لها أن تقرر إنشاءها، كما أن لها أن تعدل عن ذلك لا سيما إذا تعلق الأمر بأصول فنيه ارتأتها الجهة الإدارية فى إنشاء المرافق أو العدول عنها وكان هدفها من وراء ذلك أداء الخدمة فى شكلها وجوهرها الذى يفيد جمهور المستفيدين منها مع الاقتصاد فى النفقات محافظةً على المال العام ـ تطبيق.
فى يوم الأربعاء الموافق 13/10/1995 أودع الأستاذ/ محمد طه، نائباً عن الأستاذ/ شوقى السيد، المحامى بالنقض، وكيلاً عن الطاعن قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 5271 لسنة 41ق. عليا، وذلك فى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى بالمنصورة بجلسة 15/7/1995، فى الدعوى رقم 2097 لسنة 16ق. والقاضى منطوقه برفض الدعوى وألزمت المدعى المصروفات.
وطلب الطاعن ـ للأسباب الواردة بتقرير الطعن ـ أن تأمر دائرة فحص الطعون بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه، ثم بإحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لتقضى فيه بقبوله شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجدداً بإلغاء القرار المطعون عليه السلبى بالامتناع عن التنفيذ الكامل لقرار محافظ الشرقية المؤرخ 21/1/1989 بإنارة عزبة محمد الطحاوى وأجوارها، وكذا الامتناع عن التنفيذ الكامل للأمر التنفيذى رقم 368 بتاريخ 29/3/1989 وما يترتب على ذلك من آثار، فضلاً عن الحكم بالتعويض المناسب له، مع إلزام المطعون ضدهما الثانى والثالث بالمصروفات.
وقد جرى إعلان الطعن للمطعون ضدهم بصفتهم على النحو المبين بالأوراق.
وأودعت هيئة مفوضى الدولة تقريرين بالرأى القانونى ارتأت فى الأول الحكم بعدم قبول الطعن شكلاً لإقامته بعد الميعاد وإلزام رافعه المصروفات، وارتأت فى التقرير الثانى الحكم أصليًا بعدم قبول الطعن لرفعه من غير ذى صفه وإلزام رافعه المصروفات، واحتياطيًا بعدم قبول الطعن شكلاً لرفعه بعد الميعاد وإلزام الطاعن المصروفات، ومن باب الاحتياط الكلى بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وإلغاء القرار المطعون فيه مع إلزام المطعون ضدهم بصفاتهم المصروفات.
وقد عينت دائرة فحص الطعون لنظر الطعن جلسة 5/7/1999 وجرى تداوله أمامها بالجلسات على النحو الثابت بالمحاضر إلى أن قررت بجلسة 4/10/1999 بإجماع الآراء بعدم قبول الطعن وألزمت الطاعن المصروفات وأمرت بمصادرة الكفالة.
وفى يوم السبت الموافق 11/3/2000 أودع الأستاذ/ محمود الطوخى، المحامى نائباً عن الأستاذ/ فاروق أحمد دياب المحامى بالنقض بصفته وكيلاً عن السيد المستشار/ عبدالعاطى محمد الطحاوى (الطاعن) قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرًا بدعوى بطلان أصلية قيد بجدولها برقم 3925 بسنة 46ق. عليا، وذلك فى الحكم الصادر من دائرة فحص الطعون المشار إليه، وطلب الطاعن فى ختام تقرير دعوى البطلان الأصلية ـ وللأسباب الواردة به ـ الحكم بانعدام الحكم الصادر من الدائرة الأولى لفحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا بجلسة 4/10/1999 فى الطعن رقم 5271 لسنة 41ق. عليا، والقضاء مجدداً بقبول وإحالة الطعن إلى دائرة الموضوع للفصل فى الطلبات الواردة بصحيفة الطعن.
وقد تم إعلان تقرير دعوى البطلان الأصلية على النحو الثابت بمحضر الإعلان.
وأودعت هيئة مفوضى الدولة تقريراً بالرأى القانونى فى الطعن، ارتأت فى ختامه الحكم بقبول دعوى البطلان الأصلية شكلاً، وفى الموضوع ببطلان الحكم الصادر من دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا (الدائرة الأولى) بجلسة 4/10/1999 فى الطعن رقم 5271 لسنة 41ق. عليا وبإعادة الطعن مرة أخرى إلى دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا للفصل فيه مجدداً بهيئة مغايرة مع إبقاء الفصل فى المصروفات.
وقد عينت دائرة فحص الطعون لنظر الطعن فى دعوى البطلان الأصلية جلسة 16/10/2000، وجرى تداوله بالجلسات على النحو الثابت بالمحاضر، وبجلسة 5/2/2001 حكمت بقبول دعوى البطلان شكلاً، وفى الموضوع ببطلان الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا دائرة فحص الطعون بجلسة 4/10/1999 فى الطعن رقم 5271
لسنة 41ق. عليا، وحددت الدائرة جلسة 2/4/2001 لنظر الطعن، المشار إليه، وأقامت قضاءها على أساس أن الطعن رقم 5271 لسنة 41ق. عليا قد أقيم فى الميعاد القانونى.
وجرى تداول الطعن رقم 5271 لسنة 41ق. عليا بجلسات دائرة الفحص، وبجلسة 25/8/2001 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا (دائرة الموضوع) لنظره بجلسة 27/10/2001، وعلى قلم الكتاب إخطار الخصوم. وجرى تداول الطعن بالجلسات على النحو الثابت بالمحاضر، وبجلسة 29/12/2001 قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة 13/4/2002 ومذكرات فى شهر.
وخلال هذا الأجل أودعت هيئة كهرباء الريف مذكرة دفاع، وأودع الطاعن مذكرة دفاع.
وبجلسة اليوم صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه ومنطوقه لدى النطق به.
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانوناً.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية المقررة.
ومن حيث إن وقائع هذا النزاع تتحصل ـ حسبما يبين من الأوراق ـ فى أنه بتاريخ 26/6/1990 أقام الطاعن الدعوى رقم 5744 لسنة 44ق بإيداع عريضتها قلم كتاب محكمة القضاء الإدارى بالقاهرة وطلب فى ختامها الحكم أولاً: بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبى بالامتناع عن تنفيذ الأمر التنفيذى رقم 368 لسنة 1989 الصادر من هيئة كهربة الريف بالقاهرة تنفيذاً كاملاً وما يترتب على ذلك من آثار منها تنفيذ الأمر التنفيذى المشار إليه تنفيذاً كاملاً. ثانياً: القضاء له بالتعويض المناسب لجبر ما أصابه من ضرر من جراء عدم تنفيذ الأمر المشار إليه مع إلزام الجهة الإدارية المصروفات.
وذكر شرحاً لذلك أنه بتاريخ 21/1/1989 وافق محافظ الشرقية على تدعيم عزبة الحاج/ محمد الطحاوى الكائنة بجزيرة سعود مركز الحسينية شرقية بعدد 7 أعمدة إنارة جهد منخفض خصماً من حصة الحسينية باب ثالث المحافظة للعام الحالى 88/1989 لإنارة القرية وأجوارها؛ وتنفيذًا لذلك صدر الأمر التنفيذى رقم 368 بتاريخ 29/3/1989 من هيئة كهرباء الريف إلى رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للمشروعات الكهربائية ـ التى تتولى تنفيذ مشروعات كهربة الريف ـ وذلك لتنفيذ عملية تدعيم الحاج الطحاوى ضمن استثمارات المحافظة للعام المالى 88/1989 على أن يتم التنفيذ طبقًا لمواصفات وشروط العقد رقم 19 لسنة 88/1989 المبرم بين الهيئة والشركة ويتم التنفيذ وفق برنامج زمنى، وقد تم إبلاغ هذا الأمر إلى عدة جهات منها المطعون ضده الثالث، وفى إبريل 1989 أصدر مدير إدارة التنفيذ بكهربة الريف بالشرقية أمراً إدارياً بصرف المهمات اللازمة للتنفيذ وبدأ التنفيذ فعلاً بالموقع وتم تركيب الأعمدة السبعة المطلوبة، ثم فوجئ الطاعن بأن المطعون ضده الثالث قام عن طريق تابعيه بنزع ثلث المهمات التى تم تركيبها بالفعل وذلك لمجرد نقل محافظ الشرقية ـ مصدر القرار ـ إلى القاهرة، وقد ترتب على ذلك عدم إنارة القرية وضياع المال العام فتقدم بعده شكاوى إلى عدة جهات دون جدوى، وقد ترتب على امتناع المدعى عليهم عن الاستمرار فى تنفيذ إنارة القرية إلحاق الأضرار المادية والأدبية والنفسية بالطاعن تمثلت فى حرمانه وأهل قريته من حقهم الطبيعى المشروع للاستفادة من الخدمات العامة وهو حق كفله الدستور لسائر المواطنين. ولما كان الأمر المشار إليه المتضمن تركيب الأعمدة السبعة لتدعيم القرية وما يجاورها قد صدر بغير تخصيص ميزانية كاملة للتنفيذ، ومن ثَمَّ يكون امتناع المدعى عليه الثالث عن التنفيذ بما رتبه من حرمانه من الخدمات العامة قد توافر معه ركن الخطأ الموجب للتعويض، فضلاً عن تلاعبه بالمال العام والإضرار به وبحقوق المواطنين التى أصبحت حقاً مكتسباً لهم بصدور قرار الإنارة.
تدوول نظر الشق العاجل من الدعوى بجلسات المحكمة على النحو الثابت بالمحاضر، وبجلسة 26/2/1991 حكمت المحكمة برفض الدفع بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وباختصاصها وبرفض الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإدارى، وبقبولها وبعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى المدعى عليه الأول ورفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، وألزمت المدعى مصروفاته، وأمرت بإحالة طلب الإلغاء إلى هيئة مفوضى الدولة لإعداد تقرير بالرأى القانونى فيه.
وأعدت هيئة مفوضى الدولة تقريراً بالرأى القانونى ارتأت فيه الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار ورفض طلب التعويض، مع إلزام المدعى والجهة الإدارية المصروفات مناصفةً بينهما.
تدوول نظر الدعوى أمام المحكمة على النحو الثابت بالمحاضر، وبجلسة 3/9/1994 قررت إحالتها لدائرة القضاء الإدارى بالمنصورة للاختصاص، ونفاذاً لذلك أحيلت الدعوى بحالتها إلى محكمة القضاء الإدارى بالمنصورة وقيدت تحت الرقم المشار إليه بصدر هذا الحكم.
تدوول نظر الدعوى أمام هذه المحكمة على النحو الثابت بالمحاضر، وبجلسة 15/7/1995 أصدرت المحكمة حكمها المطعون فيه برفض الدعوى.
وشَّيدت المحكمة قضاءها على أساس أن جهة الإدارة وإن عدلت عدولاً جزئياً عن تنفيذ قرارها المطعون فيه المتضمن تدعيم العزبة المشار إليها إلا أن هذا العدول قد استند إلى أصول فنية تدخل فى صميم اختصاصها بلا معقب عليها من المحكمة بعد أن خلت الأوراق من أى دليل يفيد انحرافها أو إساءة استعمال سلطتها. وأضافت المحكمة فى حكمها الطعين أنها لا تستطيع أن تحل نفسها محل الجهة الإدارية فى تقدير هذه الأمور، وهو الأمر الذى يصبح معه القرار المطعون فيه قد صادف صحيح حكم القانون مما تعين معه القضاء برفض طلب إلغائه، وبالتالى ينتفى ركن الخطأ فى جانب الجهة الإدارية وهو أحد أركان المسئولية الإدارية مما يتعين معه رفض طلب التعويض.
وإذ لم يلق هذا القضاء قبولاً لدى الطاعن فقد أقام طعنه الماثل تأسيساً على أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه وتأويله على سند من القول بأنه لم ينتبه إلى التكييف الصحيح للدعوى وطلباتها على ضوء الفرض الحقيقى منها؛ حيث إنه طلب إلغاء القرار السلبى بالامتناع عن التنفيذ الكامل لقرار محافظ الشرقية المؤرخ 21/1/1989، وكذا الامتناع عن التنفيذ الكامل للأمر التنفيذى رقم 368 لسنة 1989 وما يترتب على ذلك، فضلاً عن التعويض. وأضاف الطاعن أن عدول الجهة الإدارية عن تنفيذ القرار المطعون فيه
لا يعد فى حقيقته سوى تلاعب فيه وانحراف عن غايته وأنه قد تم دون أى أصول، حيث إن الأصول تقتضى الالتزام باتباع الأوامر والتعليمات وليس بالخروج عليها، وأنه لا يستقيم فى صحيح النظر والقانون القول بوجود أصول فنية ألزمت جهة الإدارة بها نفسها ثم عدلت عنها بدعوى التزرع بأصول فنية أخرى.
ومن حيث إن الطاعن قد طلب فى عريضة دعواه أمام محكمة أول درجة وقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبى بالامتناع عن تنفيذ الأمر التنفيذى رقم 368 لسنة 1989 الصادر من هيئة كهرباء الريف تنفيذاً كاملاً مع الحكم له بالتعويض المناسب، وأن هذه الطلبات المقامة بها دعواه ابتداءً قد جاءت صريحة لا لبس فيها ولا غموض ولا تحتاج إلى إعادة تكييف من المحكمة.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن الطاعن قد تقدم بتاريخ 21/1/1989 إلى محافظ الشرقية بطلب التمس فيه تدعيم عزبة الحاج/ محمد الطحاوى بعدد سبعة أعمدة إنارة جهد منخفض خصمًا من حصة الحسينية باب ثالث المحافظة للعام المالى 88/1989 لإنارة القرية وأجوارها فقام المحافظ بالتأشير على هذا الطلب بالموافقة، وبتاريخ 29/3/1989 صدر الأمر التنفيذى رقم 368 مدن من هيئة كهرباء الريف بتدعيم القرية المذكورة وتضمَّن هذا الأمر مكاتبة من الهيئة إلى رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للمشروعات الكهربائية (ايلجيكت) بتنفيذ العملية وذلك بالمهمات الآتية:1) 7 عامود جهد مخفض 350/8 2)…….3) ……. على أن يتم التنفيذ طبقًا لمواصفات وشروط العقد رقم 19 لسنة 88/1989 المبرم بين الشركة والهيئة وفق برنامج زمنى بقيمة تقديرية للأعمال بمبلغ 2415ج على أساس تركيب عدد خمس فردات والعبرة بما يتم تنفيذه على الطبيعة فى ضوء الدراسات التفصيلية ….. وعند التنفيذ على الطبيعة رأت مديرية كهرباء الريف الشرقية ( المشرفة على التنفيذ) مراعاة الناحية الفنية المعمول بها فى أصول تنفيذ كهرباء الريف وطبقاً لتعليمات التصميمات، حيث إن الأعمدة السبعة المزروعة لإنارة طريق من القرية إلى الكوبرى ويعتبر ذلك مدخلاً للقرية وليس لإنارة منازل أو غرض صناعى، وبناءً عليه تمت إقامة الأعمدة السبعة وتركيبها بثلاث فردات موصلات فقط على أساس فردة بها تيار 380 فولت وفردة أخرى لإنارة الشوارع وفردة ثالثة للأرض وتم الاستغناء عن فردتين. ورأت الهيئة أن هاتين الفردتين ليس لهما مبرر فنى أو غرض وتم عمل ختامى للعملية بمبلغ 2415 ج وأطلق التيار الكهرباء فى هذه الأعمدة بتاريخ 28/5/1989 وتم تسليم العملية لشرطة توزيع كهرباء القناة والشرقية بتاريخ 3/5/1989، وبتاريخ 17/7/1989 تقدم الطاعن بشكوى إلى النيابة العامة بالحسينية نسب فيها إلى المهندس المسئول عن تنفيذ العملية وتابعيه قيامهم بغصب ونزع بعض المهمات والأدوات الكهربائية التى تم تركيبها فعلاً، وترتب على ذلك عدم الاستفادة المرجوة من الإنارة على النحو الصادر به الأمر التنفيذى المشار إليه فضلاً عن الضرر الجسيم الذى لحق بأموال المحافظة المعهود إليهم والمخصصة للعملية إشرافهم، وقد قامت النيابة بمباشرة تحقيقها فى هذا البلاغ وتم تشكيل لجنة لفحص تركيب أعمدة التدعيم بالقرية المشار إليها وانتهت النيابة العامة بعد تحقيق هذه الشكوى إلى قيدها برقم إدارى 2057/1989 بعد استبعاد شبهة الجناية وبعد أن تأكد لها دخول المهمات التى لم تستخدم فى أعمدة الإنارة إلى مخازن الهيئة وبعد أن قرر أعضاء اللجنة أن الأعمدة السبعة موضوع الأمر التنفيذى كانت بغرض إنارة الطريق الموصل للقرية فقط طبقاً لهذا الأمر وأن العملية بحالتها كافية لتحقيق هذا الغرض وأنه إذا ما رأى أى شخص استخدامها لإدارة أو تشغيل أى آلة فإن عليه التقدم لهندسة الحسينية ـ التى تسلمت العملية بعد تنفيذها ـ لطلب زيادة المهمات بمعرفة كهرباء الحسينية على نفقته.
ومن حيث إنه من المتفق عليه فقهًا وقضاءً أن الإدارة أثناء تسييرها للمرفق العام لإشباع حاجات الأفراد بالخدمات التى يقوم عليها هذا المرفق لا تتقيد بأسلوب محدد أو طريق لأداء هذه الخدمة بل تترخص فى اختيار الوسيلة بما لا معقب عليها من القضاء شريطة ألا تسىء استعمال سلطتها التقديرية المخولة لها فى هذا الشأن أو تنحرف فى استخدامها، فالأصل أن إنشاء هذه المرافق والخدمات يعد من إطلاقات جهة الإدارة التى لها أن تقرر إنشاءها، كما أن لها أن تعدل عن ذلك أو أن تقوم بتنفيذها تنفيذاً جزئياً طبقاً لما تراه ملائماً ومناسباً ولا معقب عليها فى ذلك لاسيما إذا تعلق الأمر بأصول فنية ارتأتها الجهة الإدارية فى إنشاء المرافق أو العدول عنها وكان هدفها من وراء ذلك أداء الخدمة فى شكلها وجوهرها الذى يفيد جمهور المستفيدين منها مع الاقتصاد فى النفقات محافظةً على المال العام.
ومن حيث إنه لما كان ما تقدم وكان الثابت من الأوراق أن الطاعن تقدم بطلب لمحافظ الشرقية طالباً تدعيم العزبة المشار إليها بسبعة أعمدة إنارة جهد منخفض لإنارة القرية وأجوارها، وقد وافق على ذلك المحافظ ثم أصدرت هيئة كهربة الريف الأمر التنفيذى رقم 368 المشار إليه لإنارة القرية وأجوارها، وإنه عند التنفيذ رأت مديرية كهرباء الريف بالشرقية ـ المشرفة على التنفيذ ـ مراعاةً لبعض النواحى الفنية التى تخصها فى أصول تنفيذ كهربة الريف زرع الأعمدة الكهربائية السبعة جهد منخفض لإنارة القرية بثلاث فردات موصلات بدلاً من خمس موصلات على النحو السالف بيانه بحسبان أن هذه الإنارة للقرية وليس للمنازل أو أى غرض صناعى وأطلق التيار الكهربائى بتاريخ 28/7/1989.
ومن حيث إنه ولئن كانت الجهة الإدارية المطعون ضدها قد عدلت عدولاً جزئياً عند تنفيذ قرارها المتضمن تدعيم العزبة المذكورة إلا أن هذا العدول قد استند إلى أصول فنية تدخل فى صميم اختصاصاتها بما لا معقب عليها من القضاء فى هذا الشأن، فضلاً عن هذا العدول كان عدولاً فى التنفيذ من الناحية الفنية فقط وليس من ناحية عدد أعمدة الإنارة جهد منخفض الصادر بهم موافقة كل من محافظ الشرقية وهيئة كهرباء الريف، كما لم يترتب على هذا العدول من الناحية الفنية أى إهدار للمال العام والذى ثبت من تحقيق النيابة العامة إرجاع المهمات التى لم تستعمل إلى مخازن الهيئة، ومن ثَمَّ تكون الجهة الإدارية المطعون ضدها قد نفذت قرارها بإنارة القرية المشار إليها بعدد سبعة أعمدة إنارة جهد منخفض تنفيذاً كاملاً لا مطعن عليه وتكون دعوى الطاعن بإلغاء هذا القرار قد جاءت فاقدة لسندها جديرة بالرفض.
ومن حيث إنه عن طلب التعويض، فإن مناط مسئولية جهة الإدارة عن قراراتها الإدارية هو وجود خطأ فى جانبها بأن يشوب قرارها أحد العيوب المنصوص عليها فى قانون مجلس الدولة، وأن يترتب على هذا الخطأ ضرر وتقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر.
ومن حيث إنه لما كان ذلك وكان قرار الجهة الإدارية المطعون فيه قد صادف صحيح حكم القانون على النحو الذى سلف تفصيله، ومن ثَمَّ ينتفى ركن الخطأ فى جانب الجهة الإدارية وينهار معه أحد أركان المسئولية الإدارية ومن ثَمَّ يغدو طلب التعويض فاقداً مناطه وقائماً على غير أساس صحيح من القانون مما يتعين معه الحكم برفضه.
وإذ ذهب الحكم المطعون فيه هذا المذهب فإنه يكون قد واكب الصواب وأنزل حكم القانون على الوقائع منزلاً سليمًا فلا مطعن عليه ويكون من ثَمَّ الطعن عليه جديراً بالرفض.
ومن حيث إن من يخسر الطعن يلزم بمصروفاته عملاً بحكم المادة (184) من قانون المرافعات.
حكمت المحكمة
بقبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعاً، وألزمت الطاعن المصروفات.