جلسة 27 من أكتوبر سنة 2007
(الدائرة الأولى)
الطعن رقم 5557 لسنة 48 القضائية عليا.
– شركات صرافة- الترخيص في التعامل بالنقد الأجنبي- عدم جواز تعديل شروط وقواعد منح الترخيص بأثر رجعي– أثر توجيهات رئيس مجلس الوزراء بعدم الترخيص في إنشاء شركات صرافة جديدة.
القانون رقم 38 لسنة 1994 بتنظيم التعامل بالنقد الأجنبي، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار وزير الاقتصاد رقم 331 لسنة 1994.
خول المشرع الجهة الإدارية المختصة سلطة وضع القواعد التي تنظم إنشاء شركات للصرافة وفتح فروع لها- هذه السلطة ليست مطلقة أو تحكمية- مفاد ذلك: أنه لا يصح أن يكون مجرد استعمال الجهة الإدارية لهذه السلطة التقديرية سبباً للرفض أو الامتناع عن إصدار القرار، إذا ما توافرت في صاحب الشأن سائر الشروط والأوضاع التي يتطلبها القانون للحصول على الحق، وانتفت الأسباب والمبررات التي تحول قانوناً دون تمتعه بهذا الحق، وإلا كان لجهة الإدارة أن ترفض في كل مرة الاستجابة لطلب صاحب الشأن أو تستجيب لأحدهم وترفض للآخر، محتمية في ذلك بسلطتها التقديرية، وهو ما يخل بمبادئ العدالة والمساواة التي كفلها الدستور– ترتيبا على ذلك: لا يجوز لجهة الإدارة بعد استيفاء شركة الصرافة لكافة الإجراءات والاشتراطات التي تطلبها القانون للحصول على الترخيص المطلوب، أن ترفض استنادا إلى التوجيهات الصادرة عن رئيس مجلس الوزراء بعدم الترخيص بإنشاء شركات صرافة جديدة– أساس ذلك: أن تلك التوجيهات ليس من شأنها أن تحظر ممارسة نشاط أباحه القانون لمن كان أهلاً لممارسته ولم يقم بشأنه مانع قانوني– تطبيق.
في يوم الاثنين الموافق 25 من مارس سنة 2002 أودع الأستاذ /… المحامي نائبا عن الأستاذ /… المحامي بالنقض بصفته وكيلا عن الطاعن، قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا، تقرير طعن، قيد برقم 5557 لسنة 48 القضائية عليا، في الحكم المشار إليه بعاليه، القاضي في منطوقه برفض الدعوى وإلزام المدعي المصروفات.
وطلب الطاعن –للأسباب الواردة بتقرير الطعن– الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددا بإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار أخصها الترخيص للشركة الطاعنة بمزاولة نشاط الصرافة.
وجرى إعلان تقرير الطعن إلى المطعون ضدهم على النحو المبين بالأوراق، وأعدت هيئة مفوضى الدولة تقريراً برأيها القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعن المصروفات.
وتدوول الطعن أمام دائرة فحص الطعون على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 15/1/2007 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى دائرة الموضوع لنظره بجلسة 14/4/2007.
ونظرت المحكمة الطعن على الوجه الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 23/6/2007 قررت إصدار الحكم بجلسة 20/10/2007، وفيها قررت مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم لإتمام المداولة، حيث صدر هذا الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به.
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل –حسبما يبين من الأوراق– في أنه بتاريخ 4/4/2000 أقام الطاعن الدعوى رقم 3607 لسنة 54ق – المطعون على حكمها- أمام محكمة القضاء الإداري/ الدائرة الأولى بالإسكندرية، طالباً الحكم بوقف تنفيذ ثم إلغاء قرار المدعى عليه الأول (وزير الاقتصاد) السلبي بالامتناع عن الترخيص لشركة … بمزاولة نشاط الصرافة مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام جهة الإدارة بالمصروفات، وذلك للأسباب المبينة تفصيلاً بعريضة الدعوى.
وبجلسة 20/7/2000 قضت المحكمة المذكورة بقبول الدعوى شكلاً وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام المدعي المصروفات.
كما قضت بجلسة 24/1/2002 برفض الدعوى وإلزام المدعي المصروفات، وشيدت المحكمة قضاءها بالرفض على أن الثابت من الأوراق أن رئيس مجلس الوزراء أصدر قراراً بعدم الترخيص بفتح مكاتب صرافة جديدة، لعدم حاجة السوق إليها، ولتحقيق الاستقرار في سعر الصرف والحيلولة دون المضاربة بأسعار الصرف للنقد الأجنبي، وهي أمور تدخل في نطاق السلطة التقديرية لجهة الإدارة وفي إطار السياسة العامة للدولة، ومن ثم فإن امتناع الجهة الإدارية عن إصدار ترخيص للشركة المدعية بالتعامل في النقد الأجنبي لا يعد مخالفاً للقانون.
بيد أن الحكم المذكور لم يصادف قبولاً من المدعي، فأقام طعنه الماثل ينعى فيه على الحكم مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله، وذلك على سند من القول بأن الشركة التي يمثلها استوفت كافة الإجراءات المتطلبة قانوناً للحصول على الترخيص، وأودعت مبلغ مليون جنيه بأحد البنوك لحين إتمام التأسيس بناء على توجيهات جهة الإدارة، كما حصلت على موافقة مبدئية من وزارة الاقتصاد ومن الرقابة على النقد الأجنبي، وقامت بإعداد مقر للشركة وتجهيزه وكلفها ذلك أعباء مالية كبيرة، إلا أن جهة الإدارة امتنعت عن إصدار الترخيص نزولاً على توجيهات رئيس مجلس الوزراء وإعمالاً لسلطتها التقديرية، وذلك دون مراعاة الأوضاع القائمة بالفعل والتي تمت في ظل قواعد سابقة وضعتها الجهة ذاتها، فضلاً عن أن سلطة جهة الإدارة في هذا الصدد ليست طليقة من كل قيد وإنما يتعين أن يكون رائدها في ذلك المصلحة العامة وعدم الإضرار بمصالح الأفراد.
ومن حيث إنه لما كانت جهة الإدارة قد استندت في قرارها المطعون فيه بالامتناع عن السير في إجراءات الترخيص للشركة الطاعنة بمزاولة نشاط الصرافة إلى السلطة التقديرية التي تتمتع بها في مجال الموافقة على طلبات الترخيص بفتح شركات صرافة من عدمه طبقاً لأحكام القانون رقم 38 لسنة 1994 بشأن التعامل بالنقد الأجنبي ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار وزير الاقتصاد رقم 331 لسنة 1994، وإلى التوجيه الصادر عن رئيس مجلس الوزراء بعدم إنشاء شركات صرافة جديدة.
ومن حيث إنه ولئن كان يبين من الاطلاع على أحكام القانون المشار إليه ولائحته التنفيذية أن المشرع قد خول الجهة الإدارية المختصة سلطة وضع القواعد التي تنظم إنشاء شركات للصرافة وفتح فروع لها، فإن هذه السلطة ليست مطلقة أو تحكمية، إذ من المبادئ المستقرة في قضاء هذه المحكمة أن على جهة الإدارة وهي تمارس سلطتها التقديرية أن تمارسها بروح موضوعية بعيدة عن التعسف أو إساءة استعمال السلطة، وأن تضع نفسها في أفضل الظروف والأحوال، وذلك انطلاقا من مبدأ خضوع الدولة للقانون، وبالتالي يجب أن يكون القرار الصادر عنها في هذا المجال له ما يبرره وقائماً على أسباب سائغة ومنطقية، فلا يصح أن يكون مجرد استخدامها للسلطة التقديرية سبباً للرفض أو الامتناع عن إصدار القرار، إذا ما توافرت في صاحب الشأن سائر الشروط والأوضاع التي يتطلبها القانون للحصول على الحق، وانتفت الأسباب والمبررات التي تحول قانوناً دون تمتعه بهذا الحق، وإلا كان لجهة الإدارة أن ترفض في كل مرة الاستجابة لطلب صاحب الشأن أو تستجيب لواحد وترفض الآخر، محتمية في ذلك بسلطتها التقديرية، وهو ما يخل بمبادئ العدالة والمساواة التي كفلها الدستور.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن الشركة التي يمثلها الطاعن، وهي شركة … للصرافة، قد تقدمت بطلب إلى قطاع النقد الأجنبي بوزارة الاقتصاد في غضون عام 1998 للترخيص لها في التعامل بالنقد الأجنبي بالمقر المعد لذلك بمدينة الإسكندرية, وبتاريخ 27/6/1998 أخطرها القطاع المذكور بموافقة الوزير على الطلب من حيث المبدأ، وبأنه يمكن للشركة التقدم إلى مصلحة الشركات للسير في إجراءات التأسيس، ثم الإفادة بعد الانتهاء من التأسيس وإعداد التجهيزات الفنية لمقر الشركة توطئة لإصدار الترخيص النهائي بتعامل الشركة في النقد الأجنبي، كما تقدمت الشركة المذكورة بطلب إلى البنك المركزى المصري في 20/6/1999 لمعاينة مقر الشركة في ضوء الموافقة المبدئية المشار إليها، وأرفقت بطلبها ما يفيد قيدها بالسجل التجاري، والتأسيس بمصلحة الشركات، والحصول على البطاقة الضريبية، وإيداع رأس المال، وتركيب خطوط التليفون وأجهزة الكمبيوتر وغيرها من التجهيزات الأخرى.
ومن حيث إن الشركة الطاعنة أفادت بأنها استوفت كافة الإجراءات والاشتراطات التي تطلبها القانون للحصول على الترخيص المطلوب، ولم تنكر عليها جهة الإدارة ذلك، كما أن التوجيهات الصادرة عن رئيس مجلس الوزراء بعدم الترخيص بإنشاء شركات صرافة جديدة ليس من شأنها أن تحظر ممارسة نشاط أباحه القانون لمن كان أهلا لممارسته ولم يقم بشأنه مانع قانوني، فضلاً عن أنه لا يسوغ تطبيق هذه التوجيهات على الحالة الماثلة، لأن ذلك يخل بتعهد قانوني قطعته جهة الإدارة على نفسها – من خلال الموافقة المبدئية – بالالتزام بالسير في إجراءات الترخيص وإصدار الموافقة النهائية عند استيفاء الشركة للاشتراطات المقررة، وقد وثقت الشركة في هذا التعهد وقامت بناء عليه بتنفيذ كافة الاشتراطات وتحمل الأعباء المالية والإدارية في سبيل الحصول على الترخيص وفاء من الإدارة بتعهدها والتزامها، ومن ثم يكون امتناع الجهة الإدارية عن الاستجابة لطلب الشركة الطاعنة مشوباً بالتعسف في استعمال السلطة، مما يعيب القرار المطعون فيه ويبطله، ويجعله مستهدفاً للإلغاء لدى الطعن عليه أمام القضاء.
ومن حيث إنه متى كان ذلك، فإن ما قضى به الحكم المطعون فيه من رفض الدعوى يكون -والحالة هذه- قد خالف صحيح حكم القانون، مما يتعين معه الحكم بإلغائه والقضاء مجدداً بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من الامتناع عن السير في إجراءات الترخيص للشركة الطاعنة بمزاولة نشاط الصرافة والتعامل بالنقد الأجنبي مع ما يترتب على ذلك من آثار.
ومن حيث إن من خسر الطعن يلزم بمصروفاته، عملاً بحكم المادة 184 من قانون المرافعات.
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت الجهة الإدارية المطعون ضدها المصروفات عن درجتي التقاضي.