جلسة 1 من يوليو سنة 2012
الطعن رقم 61 لسنة 58 القضائية(عليا)
(الدائرة الرابعة)
– ما يدخل في اختصاص المحاكم التأديبية– تختص بنظر الطعن على قرار دائرة الأحوال الشخصية بالمحكمة الابتدائية (محكمة الأسرة)([1]) فيما يتعلق بوقف المأذون عن العمل– لا يعد هذا القرار بمثابة الحكم القضائي، بل هو من قبيل القرارات النهائية للسلطات التأديبية، فتلك الدائرة حال مباشرتها اختصاص تأديب المأذونين لا تنعقد بصفتها القضائية، وإنما بوصفها سلطة رئاسية لهم، تملك قبلهم ما تملكه السلطة الرئاسية تجاه مرءوسيها من إصدار قرارات توقيع العقوبة عليهم، وآية ذلك أن القرارات الصادرة عنها بعزل المأذونين تأديبيا تخضع للتعديل أو الإلغاء من قبل وزير العدل- ترتيبا على ذلك: لا تختص المحكمة الإدارية العليا بنظر الطعن في ذلك القرار([2]).
– المادتان رقما (10) و(15) من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972.
– المواد أرقام (2) و(43) و(46) من لائحة المأذونين، الصادرة بقرار وزير العدل المؤرخ في 4/1/1955، معدلة بموجب القرار الصادر بتاريخ 29/12/1955.
– حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 4/3/2000 في القضية رقم 137 لسنة 20 القضائية (دستورية).
– الحكم في الدعوى- الحكم بعدم الاختصاص والإحالة إلى المحكمة الإدارية العليا- جواز الإحالة من أي من المحاكم إلى المحكمة الإدارية العليا بوصفها دائرة موضوع لا يعني لزوما صحة انعقاد الولاية– لا يسوغ في صحيح المنطق القانوني أن تسلط محكمة أول درجة على هذه المحكمة ولايتها إلزاما لها بما يخرج عن اختصاصها، أو بما تختص به ابتداء محكمة أول درجة بحكم القانون– من شأن ذلك سلب المحكمة الإدارية العليا ولايتها كمحكمة طعن في التعقيب على حكم الإحالة تمحيصا لمدى اتفاق الإحالة مع صحيح القانون ووزنها بميزانه، بما يعد إفراغا لولاية المحكمة الإدارية العليا كمحكمة طعن من مضمونها.
– المادة رقم (110) من قانون المرافعات.
أقام الطاعن الطعون أرقام 118 و119 و120 لسنة 15ق. تأديبي، بإيداعها ابتداء قلم كتاب المحكمة التأديبية بالإسماعيلية بتاريخ 21/1/2010، طالبا الحكم بقبولها شكلا، وفي الموضوع بإلغاء القرارات أرقام 10 لسنة 2009 (مأذونين) مركز الزقازيق و9 لسنة 2010 (مأذونين) مركز الزقازيق و12 لسنة 2010 (مأذونين) مركز الزقازيق على التوالي والترتيب، فيما تضمنه كل منها من مجازاته بوقفه عن العمل لمدة شهر، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وشرح كلا من هذه الطعون قائلا إن الشيخ/… تقدم بشكاوى ضده متهما إياه بعقد قران لسيدات في دائرة اختصاصه، وعلى إثر ذلك صدرت القرارات المطعون فيها بوقفه عن العمل، ونعى عليها مخالفة القانون.
وجرى تداول الطعون المشار إليها أمام المحكمة على النحو المبين بمحاضر الجلسات، حيث عدل الطاعن طلباته بإضافة طلب إلغاء القرارين رقمي 4 و15 لسنة 2010 (مأذونين) مركز الزقازيق فيما تضمنه كل منهما من وقفه عن العمل.
وبجلسة 26/5/2011 قضت المحكمة بعدم اختصاصها نوعيا بنظر الطعون الماثلة، وبإحالتها بحالتها إلى المحكمة الإدارية العليا، وأقامت قضاءها على أن القرارات المطعون فيها قد صدرت ضد الطاعن بمجازاته بإيقافه عن العمل، فمن ثم تكون من قبيل القرارات النهائية على وفق حكم المادة رقم (46) من لائحة المأذونين الصادرة بقرار وزير العدل المؤرخ 4/1/1955؛ بحسبان أن تلك القرارات لا تحتاج إلى تصديق وزير العدل عليها، وبهذه المثابة فإنها تكون صادرة عن مجلس تأديب، والذي تعد قراراته أقرب في طبيعتها إلى الأحكام التأديبية منها إلى القرارات الإدارية، وعلى ذلك يجرى عليها ما يجري على الأحكام الصادرة عن المحاكم التأديبية بالنسبة إلى الطعن فيها، إذ يكون مباشرة أمام المحكمة الإدارية العليا.
وقد وردت تلك الطعون إلى قلم كتاب هذه المحكمة، حيث قيدت بجدولها طعنا برقم 61 لسنة 58ق، وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرا مسببا بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم ببطلان تقرير الطعن.
وتحددت لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 14/3/2012، وفيها قررت إحالته إلى هذه المحكمة لنظره بجلسة 21/4/2012، وفيها قررت إصدار الحكم بجلسة 9/6/2012، وفيها قررت استمرارا للمداولة مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم، وفيها قررت مد أجل النطق بالحكم لذات السبب لجلسة 23/6/2012، ولذات السبب مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم، وفيها صدر وأودعت مسودته مشتملة على أسبابه عند النطق به.
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانونا.
حيث إن البحث في الاختصاص والفصل فيه يلزم أن يكون سابقا على البحث في شكل الدعوى أو موضوعها، وتتصدى المحكمة من تلقاء نفسها، وفي أية مرحلة من مراحل التقاضي لمدى ولايتها، فإن ثبت لها عدم انعقادها قضت بعدم اختصاصها.
وحيث إن البين من أحكام لائحة المأذونين الصادرة بقرار وزير العدل بتاريخ 4/1/1955 معدلة بالقرار الصادر بتاريخ 29/12/1955 أنها اختصت في المادة رقم (2) منها دائرة الأحوال الشخصية بالمحكمة الابتدائية بالنظر في مسائل عدة تتعلق بالمأذونين كتقسيم المأذونيات، وضم أعمال مأذونية إلى أخرى، وإجراء الامتحان للمترشحين للمأذونية، وتعيين المأذونين ونقلهم، وقبول استقالتهم، كما يشمل هذا الاختصاص تأديبهم عن مخالفة واجبات وظائفهم، وأعطت اللائحة لهذه الدائرة عند ثبوت المخالفة الحق في توقيع بعض العقوبات التي عددتها المادة رقم (43) من اللائحة، والتي تتمثل في الإنذار والوقف عن العمل، والعزل من الوظيفة، ولما كانت تلك الدائرة حال مباشرتها اختصاص تأديب المأذونين لا تنعقد بصفتها القضائية، وإنما بوصفها سلطة رئاسية لهم، تملك قبلهم ما تملكه السلطة الرئاسية تجاه مرءوسيها من إصدار قرارات توقيع العقوبة عليهم، وآية ذلك أن القرارات الصادرة عنها بعزل المأذونين تأديبيا تخضع -وعلى ما تنص عليه المادة رقم (46) من اللائحة المشار إليها- للتعديل أو الإلغاء من قبل وزير العدل والذي يعد -بهذه المثابة- سلطة تصديق بالنسبة للدائرة المذكورة تختص بالتعقيب على بعض قراراتها الصادرة بشأن المأذونين، هذا إلى جانب أن تحديد جهات التقاضي يكون بقانون وليس بأداة أدنى، ومن ثم فلا تعد قرارات دائرة الأحوال الشخصية في هذا الصدد أحكاما قضائية.
(في هذا المعنى حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 4 من مارس 2000 في القضية رقم 137 لسنة 20ق دستورية)
وحيث إنه إعمالا لما تقدم، ولما كان الثابت من الأوراق أن الطاعن ينازع في مشروعية القرارات الصادرة عن دائرة الأحوال الشخصية بمحكمة الزقازيق الابتدائية (محكمة الأسرة) المختصة بالنظر في تأديب المأذونين بمجازاته بالوقف عن العمل، فمن ثم تعد هذه القرارات من قبيل القرارات النهائية للسلطات التأديبية، مما تنحسر عنها ولاية هذه المحكمة، وينعقد الاختصاص بنظرها نوعيا للمحاكم التأديبية إعمالا لأحكام المادتين 10 و15 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، فمن ثم ينعقد الاختصاص بنظر تلك الطعون نوعيا ومحليا للمحكمة التأديبية بالإسماعيلية، وإذ ذهبت هذه المحكمة مذهبا مغايرا فقضت بعدم اختصاصها وإحالتها إلى المحكمة الإدارية العليا فإنها تكون قد خالفت صحيح القانون، وأخطأت في تطبيقه، ومن ثم تقضي المحكمة بإلغاء هذا الحكم، وبإعادة الطعون بحالتها إلى المحكمة التأديبية بالإسماعيلية للاختصاص, للفصل فيها مجددا بهيئة أخرى.
ولا ينال من ذلك أن حكم أول درجة قد ركن إلى ما انتهى إليه قضاء دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا من جواز الإحالة من أي من المحاكم إلى المحكمة الإدارية العليا بوصفها دائرة موضوع؛ فذلك مردود بأنه في خصوص ولاية هذه المحكمة بحسبانها ليست فحسب محكمة موضوع، بل هي محكمة طعن تنزل من الهرم القضائي منزلة القمة فإن جواز الإحالة لا يعني لزوما صحة انعقاد الولاية؛ ذلك أنه لا يسوغ في صحيح المنطق القانوني أن تسلط محكمة أول درجة على هذه المحكمة ولايتها إلزاما لها بما يخرج عن اختصاصها أو بما تختص به ابتداء محكمة أول درجة بحكم القانون، إذ إن من شأن ذلك سلب المحكمة الإدارية العليا ولايتها كمحكمة طعن في التعقيب على حكم الإحالة، تمحيصا لمدى اتفاقها (أي الإحالة) مع صحيح القانون، ووزنها بميزانه، دون تهيب أو توجس من ذريعة التزام المحكمة المحال إليها الدعوى بحكم قضائي بنظرها عملا بحكم المادة رقم (110) من قانون المرافعات، فإذا قبل هذا المنطق بين محكمتين تتفق درجتاهما في السلم أو الهرم القضائي، إلا أن التفاوت لن يكون مقبولا بحال إذا تعلق الأمر بالإحالة إلى المحكمة الإدارية العليا غَلاًّ لِيَدِهَا عن معاودة التعقيب على الحكم بجميع أوجه صحته ومنها مسألة الاختصاص، والقول بغير ذلك إفراغٌ لولاية المحكمة الإدارية العليا كمحكمة طعن من مضمونها.
حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاصها نوعيا بنظر الطعن، وبإعادته بحالته إلى المحكمة التأديبية بالإسماعيلية للاختصاص، للفصل فيه مجددا بهيئة أخرى.
([1]) كانت المادة الثانية من لائحة المأذونين الصادرة بقرار وزير العدل عام 1955 تنص على أن: “تختص دائرة الأحوال الشخصية بالمحكمة الابتدائية بالنظر في المسائل الآتية: (أ) تقسيم المأذونيات. …(هـ)تأديب المأذونين. …”.
وقد صدر القانون رقم (10) لسنة 2004 بإصدار قانون إنشاء محاكم الأسرة، ونصت المادة الأولى منه على أن: “تنشأ بدائرة اختصاص كل محكمة جزئية محكمة للأسرة، يكون تعيين مقرها بقرار من وزير العدل…”، ثم صدر قرار وزير العدل رقم (5039) لسنة 2004 بشأن تعديل بعض أحكام قراري وزير العدل بلائحة المأذونين ولائحة الموثقين المنتدبين، ونصت المادة الأولى منه على أن: “تستبدل عبارة “محكمة الأسرة” بكل من عبارتي “دائرة الأحوال الشخصية بالمحكمة الابتدائية” و”المحكمة الجزئية”، كما تستبدل عبارة “رئيس محكمة الأسرة” بعبارة “قاضي المحكمة الجزئية”، وعبارة “قلم كتاب محكمة الأسرة” بعبارة “قلم كتاب المحكمة الكلية”، أينما وردت تلك العبارات بقراري وزير العدل بلائحة المأذونين، وبلائحة الموثقين المنتدبين المشار إليهما”.
([2]) على خلاف هذا الاتجاه انتهت المحكمة الإدارية العليا إلى اختصاصها بنظر الطعن على قرارات دائرة الأحوال الشخصية (محكمة الأسرة) بتوقيع عقوبتي الإنذار والوقف عن العمل على المأذون؛ بحسبان أنها قرارات قطعية لا معقب عليها من وزير العدل، فتعد بمثابة الأحكام القضائية، وإلى اختصاص المحاكم التأديبية بنظر الطعن على قرار وزير العدل بالتصديق على قرار تلك الدائرة بعزل المأذون من وظيفته؛ بحسان أن قرار عزل المأذون الصادر عن الدائرة المذكورة لا يعدو أن يكون عملا تحضيريا. (حكمها في الطعن رقم 12993 لسنة 51 القضائية عليا بجلسة 1/7/2006، منشور بمجموعة المبادئ التي قررتها في السنة 51 مكتب فني، الجزء الثاني، المبدأ رقم 145 ص 1030).